مجموعة مؤلفين
10
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
وَالْحِكْمَةَ » « 1 » أي يعلمهم ظاهر الشرع وباطنه . وهذا هو المعنى الملحوظ في كتاب « الفصوص » حيث يقرن ابن عربى اسم كل نبي - من الأنبياء السبعة والعشرين الذين يتحدث عنهم - بحكمة من الحكم تشير إلى المعاني الباطنة المستترة وراء النصوص القرآنية التي نزلت في حق هؤلاء الأنبياء ، وذلك مثل قوله « فص حكمة إلهية في كلمة آدمية » أو « فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية » ، أو « فص حكمة فردية في كلمة محمدية » ، وهكذا . والمراد بالكلمة الآدمية والكلمة المحمدية ، العقل الآدمي والعقل المحمدي ، أو الحقيقة الآدمية والحقيقة المحمدية . ومعنى هذا أن كتاب « الفصوص » مجموعة من الحكم ، تفسر كل حكمة منها المعاني الباطنة المستترة وراء النصوص القرآنية الواردة في كل نبي . ولكل حكمة موضوعها الخاص : فموضوع الحكمة الآدمية « الألوهية » ، وموضوع الحكمة الإسماعيلية « العلو » ومعناه بالنسبة للّه خاصة ، وموضوع الحكمة المحمدية « الفردية » وهكذا . وأحيانا يطلق على المعنى الباطن كلمة « الفهم » في مقابل « العلم » ، إذ العلم هو الإحاطة بالمعلوم ، والفهم هو إدراك حقيقتة وكنهه : وهو وهب إلهي ، وإعلام رباني بخلاف العلم الذي هو كسب للعبد ، ومن ذلك علم الفقه الذي هو علم الرسوم ، يقول أبو يزيد البسطامي في هذا المعنى مخاطبا علماء الرسوم : « أخذتم علمكم ميتا عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت » « 2 » وعلى هذا الأساس اعتبر ابن عربى « فهم » الأولياء للقرآن جزءا متمما للقرآن ومن نفس معدنه ، ولم يقفل باب النبوة العامة - التي هي نبوة المعرفة - وإن قفل باب النبوة الخاصة التي هي نبوة التشريع . 4 - وقد لاحظت أن ابن عربى يراعى جانبي الظاهر والباطن معا في فهمه لآيات القرآن الخاصة بالتشريع ، فيشرح المسألة الفقهية وحكمها الشرعي كما يفعل أهل الظاهر ؛ ثم يعقب عليها بما يسميه « الإشارة » ويبين
--> ( 1 ) البقرة ، 129 . ( 2 ) الفتوحات المكية ، ح 1 ، ص 365 .